السيد الطباطبائي

275

تفسير الميزان

ويقابل الرحمة الخاصة عذاب وهو اللاملائم الذي يصيب الكافرين والمجرمين من جهة كفرهم وجرمهم في الدنيا كعذاب الاستئصال والمعيشة الضنك وفي الآخرة من النار وآلامها ، ولا يقابل الرحمة العامة شئ من العذاب إذ كل ما يصدق عليه اسم شئ فهو من مصاديق الرحمة العامة لنفسه أو لغيره ، وكونه رحمة هي المقصودة في الخلقة ، وليس وراء الشئ شئ . إذا تحقق هذا تبين أن قوله تعالى " عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شئ " بيان لخصوص العذاب وعموم الرحمة ، وإنما قابل بين العذاب والرحمة العامة مع عدم تقابلهما لان ذكر الرحمة العامة توطئة وتمهيد لما سيذكره من صيرورتها رحمة خاصة في حق المتقين من المؤمنين . وقد اتضح بما تقدم أن سعة الرحمة ليست سعة شأنية وأن قوله : " ورحمتي وسعت كل شئ " ليس مقيدا بالمشيئة المقدرة بل من لوازم سعة الرحمة الفعلية كما تقدم ، وذلك لأن الظاهر من الآية أن المراد بالرحمة الرحمة العامة وهي تسع كل شئ بالفعل وقد شاء الله ذلك فلزمتها فلا محل لتقدير " ان شئت " خلافا لظاهر كلام جمع من المفسرين . قوله تعالى : " فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون " تفريع على قوله : " عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي " الآية أي لازم وجوب إصابة العذاب بعض الناس وسعة الرحمة لكل شئ أن أوجب الرحمة على البعض الباقي ، وهم الذين يتقون ويؤتون الزكاة الآية . وقد ذكر سبحانه الذين تنالهم الرحمة بأوصاف عامة وهي التقوى وإيتاء الزكاة والايمان بآيات الله من غير أن يقيدهم بما يخص قومه : كقولنا للذين يتقون منكم ونحو ذلك لان ذلك مقتضى عموم البيان في قوله : " عذابي أصيب به من أشاء " الآية والبيان العام ينتج نتيجة عامة . وإذا قوبلت مسألة موسى بالآية كانت الآية بمنزلة المقيدة لها فإنه عليه السلام سأل الحسنة والرحمة لقومه ثم عللها بقوله : " أنا هدنا إليك " فكان معنى ذلك مسألة الرحمة لكل من هاد ورجع منهم بأن يكتب الله حسنة الدنيا والآخرة لمجرد هودهم وعودهم